أحمد بن محمد القسطلاني

281

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الكاملة عند اللبس ، فلو لبس قبل غسل رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلا أن ينزعهما من مقرهما ثم يدخلهما فيه ، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح إلا أن ينزع الأولى من مقرها ثم يدخلها فيه ، لأن الحكم المترتب على التثنية غير الحكم المترتب على الموحدة . واستضعفه ابن دقيق العيد لأن الاحتمال باقٍ قال : ولكن إن ضم إليه دليل يدل على أن الطهارة لا تتبعض اتجه ولو ابتدأ اللبس بعد غسلهما ثم أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجز المسح ، ولو غسلهما بنيّة الوضوء ثم لبسهما ثم أكمل باقي أعضاء الوضوء لم يجز له المسح عند الشافعي ومن وافقه على إيجاب الترتيب ، وهذا الوضوء يجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه على عدم وجوب الترتيب بناء على أن الطهارة لا تتبعض ، ولم يخرج المصنف في هذا الكتاب ما يدل على توقيت المسح ، وقد قال به الجمهور للحديث الذي قدمته وحديث مسلم وغيره ، وخالف المالكية في المشهور عندهم فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيام مطلقًا بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غسل . نعم روى أشهب أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولم يذكر للمقيم وقتًا ، وروى ابن نافع أن المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة قال القاضي أبو محمد : هذا يحتمل الاستحباب ، ثم قال : بل هو مقصود ووجهه أنه يغتسل للجمعة ، وعزي إلى مالك في الرسالة المنسوبة إليه أنه حدّ للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يومًا وليلة ، وأنكرت الرسالة المنسوبة لمالك . ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون وفيه رواية التابعي الكبير عن التابعي والعنعنة والتحديث . 50 - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيق وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضي الله عنهم - لَحْمًا فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا . هذا ( باب من لم يتوضأ من ) أكل ( لحم الشاة ) ونحوها مما هو مثلها وما دونها ( و ) من أكل ( السويق ) وهو ما اتخذ من شعير أو قمح مقلو يدق فيكون كالدقيق إذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن أو ربّ ونحوه . ( وأكل أبو بكر ) الصديق ( وعمر ) الفاروق ( وعثمان ) ذو النورين ( رضي الله عنهم فلم يتوضؤوا ) كذا في رواية أبي ذر إلا عن الكشميهني بحذف المفعول وهو يعم كل ما مسّت النار وغيره ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني والحموي والأصيلي ، وأكل أبو بكر وعمر وعثمان لحمًا بإثباته ، وعند ابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر قال : أكلت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم خبرًا ولحمًا فصلّوا ولم يتوضؤوا ، وكذا رواه الترمذي ، وفي الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن من طريق سليم بن عامر قال : رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤوا . 207 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . [ الحديث 207 - طرفاه في : 5404 ، 5405 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) إمام دار الهجرة ( عن زيد بن أسلم ) العدوي مولى عمر المدني ( عن عطاء بن يسار ) بمثناة تحتية فمهملة مخففة ( عن عبد الله بن عباس ) رضي الله عنهما . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكل كتف شاة ) أي أكل لحمه في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهي بنت عمّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو في بيت ميمونة رضي الله عنها ( ثم صلّى ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ولم يتوضأ ) وهذا مذهب الأستاذ الثوري رحمه الله والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي والليث وإسحاق وأبي ثور رضي الله عنهم ، وأما حديث زيد بن ثابت عند الطحاوي والطبراني في الكبير أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " توضؤوا مما غيّرت النار " وهو مذهب عائشة وأبي هريرة وأنس والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم أن رجلاً سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أأتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : " إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ " قال : أتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : " نعم توضأ من لحوم الإبل " وحديث البراء المصحح في المجموع قال : سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الوضوء من لحم الإبل فمر به ، وبه استدل الإمام أحمد على وجوب الوضوء من لحم الجزور ، فأجيب عن ذلك بحمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة لزيادة دسومة اللحم وزهومة لحم الإبل ، وقد نهى أن يبيت وفي يده أو فمه دسم خوفًا من عقرب ونحوها ، وبأنهما منسوخان بخبر أبي داود والنسائي وغيرهما ، وصححه ابنا خزيمة وحبان عن جابر قال : كان آخر الأمرين من رسول الله